يرى نيكولاس جروسمان أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الحرب مع إيران تعكس قراءة مفرطة في التفاؤل، إذ يتحدث عن إنهاء الحرب حتى مع استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، ويقلّل من أهمية إغلاقه، معتبرًا أنه سينفتح تلقائيًا بعد انسحاب الولايات المتحدة.
وتشير أم أس ناو إلى أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية: تتحكم إيران فعليًا في مسار الأزمة، بينما تواجه الولايات المتحدة تداعيات لا يمكنها تجاهلها، سواء على المستوى الاستراتيجي أو الاقتصادي.
ورقة الضغط الإيرانية: الاقتصاد أولًا
تغلق إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ليس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا عبر خلق بيئة خطرة تدفع شركات الشحن والتأمين إلى التراجع.
ورغم الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت قدراتها العسكرية، تواصل إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يعزز قدرتها على إبقاء المضيق خارج الخدمة.
يرفع هذا الوضع أسعار النفط بشكل حاد، إذ قفزت بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب، مع توقعات بمزيد من الارتفاع. ورغم إنتاج الولايات المتحدة كميات كبيرة من النفط، إلا أن طبيعة السوق العالمية تجعلها عرضة للتأثر، خاصة مع اعتمادها على التبادل التجاري في المنتجات البترولية.
ينعكس ذلك مباشرة على أسعار الوقود والغذاء داخل الولايات المتحدة، ما يزيد الضغط على الاقتصاد المحلي.
مأزق استراتيجي بلا مخرج واضح
يضع هذا الواقع إيران في موقع تفاوضي قوي، رغم التفوق العسكري الجوي الأميركي الإسرائيلي. تطالب طهران بانسحاب القوات الأميركية، وتلوّح بفرض رسوم عبور قد تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة، مع حظر كامل للسفن الأميركية والإسرائيلية.
وترفض في الوقت نفسه الادعاءات الأميركية بشأن وجود مفاوضات، ما يعكس انعدام الثقة بين الطرفين.
تتردد إيران في إنهاء الحرب سريعًا، إذ ترى أن أي اتفاق قد لا يصمد، خاصة في ظل انسحاب واشنطن سابقًا من الاتفاق النووي. لذلك تسعى إلى إطالة أمد الضغط الاقتصادي، بهدف فرض معادلة ردع طويلة الأمد.
حتى لو أوقفت الولايات المتحدة العمليات العسكرية، تستطيع إيران الاستمرار في إغلاق المضيق، ما يضع واشنطن في موقف محرج عالميًا.
حسابات ترامب: بين التفاوض والمخاطرة
تعكس تصريحات ترامب محاولة لخفض قيمة ورقة مضيق هرمز في التفاوض، عبر الإيحاء بعدم أهميته. لكن الواقع يكشف عكس ذلك، إذ ترتفع أسعار النفط، وتتراجع شعبيته داخليًا، ما يشير إلى حاجته لمخرج سياسي سريع.
في الوقت نفسه، قد تحمل هذه التصريحات بعدًا تكتيكيًا، إذ تشير تحركات عسكرية أميركية إلى احتمال التحضير لعمليات برية محدودة، مثل السيطرة على مواقع استراتيجية في الخليج.
لكن مثل هذه العمليات لا تضمن إنهاء الأزمة، بل قد تزيد المخاطر، خاصة مع صعوبة احتواء ردود الفعل الإيرانية. كما أن السيطرة على مناطق محدودة لن تمنع طهران من استهداف الملاحة في المضيق.
أزمة تحالفات وتآكل الثقة
تؤثر الحرب أيضًا على علاقات الولايات المتحدة بحلفائها، خاصة في أوروبا. يضغط ترامب على دول حلف الناتو للانخراط في الحرب، بل يهدد بالانسحاب من الحلف، ما يضعف مصداقية واشنطن.
في المقابل، ترفض الدول الأوروبية المشاركة، وتغلق بعضها مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية، في خطوة تعكس تراجع الثقة.
يبرز هذا التوتر نتيجة تراكم سياسات سابقة، شملت فرض رسوم جمركية وانتقادات متكررة للحلفاء، ما يجعل التعاون العسكري أقل جاذبية سياسيًا داخل تلك الدول.
مشهد مفتوح على احتمالات صعبة
تكشف هذه الأزمة عن مأزق استراتيجي عميق، إذ لا يملك أي طرف طريقًا سهلًا للخروج.
تتمسك إيران بأدوات ضغط فعالة، بينما تواجه الولايات المتحدة كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة، دون ضمان تحقيق أهدافها.
في النهاية، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع إرادات طويل يعيد تشكيل موازين القوى العالمية. ويبدو أن مضيق هرمز، أكثر من أي وقت مضى، أصبح نقطة اختبار حقيقية لقدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الكبرى.
https://www.ms.now/opinion/trump-strait-hormuz-iran-war-problem

